أحمد بن محمد القسطلاني
95
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
عنهما ( قال : قرأ ) أي : جهر ( النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما أُمِرَ ) ، أي أسرَّ ( فيما أمر ) بضم الهمزة فيهما ، والآمر الله تعالى . لا يقال معنى سكت : ترك القراءة ، لأنه عليه الصلاة والسلام لا يزال إمامًا ، فلا بدّ من القراءة سرًّا أو جهرًا ( { وما كان ربك نسيًّا } ) حيث لم ينزل في بيان أفعال الصلاة قرآنًا يتلى ، وإنما وكّل الأمر في ذلك إلى بيان نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، الذي شرع لنا الاقتداء به ، وأوجب علينا اتباعه في أفعاله التي هي لبيان مجمل الكتاب ( { ولقد } ) ولغير أبوي الوقت وذر الأصيلي وابن عساكر : لقد ( { كان لكم في رسول الله أُسوة } ) بضم الهمزة وكسرها ، أي : قدوة ( { حسنة } ) فتجهروا فيما جهر ، وتسروا فيما أسر . ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصري وكوفي ومدني ، وفيه التحديث والعنعنة والقول ، وهو من أفراده . 106 - باب الْجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ وَالْقِرَاءَةِ بِالْخَوَاتِيمِ ، وَبِسُورَةٍ قَبْلَ سُورَةٍ ، وَبِأَوَّلِ سُورَةٍ . وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ : " قَرَأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُؤْمِنُونَ فِي الصُّبْحِ ، حَتَّى إِذَا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ أَوْ ذِكْرُ عِيسَى أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ " . وَقَرَأَ عُمَرُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ الْمَثَانِي . وَقَرَأَ الأَحْنَفُ بِالْكَهْفِ فِي الأُولَى وَفِي الثَّانِيَةِ بِيُوسُفَ أَوْ يُونُسَ . وَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ - رضي الله عنه - الصُّبْحَ بِهِمَا . وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنَ الأَنْفَالِ ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ . وَقَالَ قَتَادَةُ - فِيمَنْ يَقْرَأُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ ، أَوْ يُرَدِّدُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ - : كُلٌّ كِتَابُ اللَّهِ . ( باب ) حكم ( الجمع بين السورتين في الركعة ) الواحدة من الصلاة ، ولابن عساكر وأبي ذر : في ركعة ( و ) حكم ( القراءة بالخواتيم ) بالمثناة التحتية بعد الفوقية ، ولأبي ذر والأصيلي : بالخواتم ، أي أواخر السور ، ( و ) القراءة ( بسورة ) . بموحدة ، أوّله ، ولابن عساكر : وسورة ( قبل سورة ) مخالفًا ترتيب المصحف العثماني ( و ) القراءة ( بأوّل سورة ) . ( ويذكر ) بضم أوّله مبنيًّا للمفعول ( عن عبد الله بن السائب ) بن أبي السائب ، مما وصله مسلم من طريق ابن جريج : ( قرأ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - { المؤمنون } ) بالواو على الحكاية ، ولأبي ذر : المؤمنين وللأصيلي { قد أفلح المؤمنون } ( في ) صلاة ( الصبح ) بمكة . ( حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون ) أيّ قوله تعالى : { ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون } ( أو ذكر عيسى ) أي { وجعلنا ابن مريم وأمه آية } ( أخذته ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( سعلة ) بفتح السين وقد تضم ، ولابن ماجة : فلما بلغ ذكر عيسى وأمه أخذته سعلة ، أو قال : شهقة وفي رواية : شرقة ( فركع ) . قيل فيه جواز قطع القراءة ، وجواز القراءة ببعض السورة ، وهو يردّ على مالك حيث كره ذلك . وأجيب : بأن الذي كرهه مالك هو أن يقتصر على بعض السورة مختارًا ، والمستدل به هنا ظاهر في أنه كان للضرورة ، فلا يرد عليه . نعم ، الكراهية لا تثبت إلا بدليل ، وأدلة الجواز كثيرة ، منها حديث زيد بن ثابت : أنه في قرأ الأعراف في الركعتين ، ولم يذكر ضرورة . ( وقرأ عمر ) بن الخطاب رضي الله عنه ( في الركعة الأولى ) من الصبح ( بمائة وعشرين آية من البقرة ، وفي ) الركعة ( الثانية بسورة من المثاني ) وهو ما يبلغ مائة آية ، أو لم يبلغها ، أو ما عدا السبع الطوال إلى المفصل ، سمي مثاني لأنها ثنت السبع ، أو لكونها قصرت عن المئين وزادت على المفصل ، أو ولأن المئتين جعلت مبادي والتي تليها مثاني ، ثم الفصل . وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة لكن بلفظ : يقرأ في الصبح بمائة من البقرة ، ويتبعها بسورة من المثاني . ( وقرأ الأحنف ) بالمهملة ، ابن قيس بن معد يكرب الكندي الصحابي ، رضي الله عنه ، في صلاة الصبح ( بالكهف في ) الركعة ( الأولى ، وفي الثانية بيوسف أو يونس ) شك الراوي ( وذكر ) الأحنف ( أنه صلّى مع عمر رضي الله عنه ) أي وراءه ( الصبح ) فقرأ ( بهما ) أي بالكهف في الأولى ، وبإحدى السورتين في الثانية . وهذا مكروه عند الحنفية ، لأن رعاية ترتيب المصحف العثماني مستحبة ، وقيل مكروه في الفرائض دون النوافل . وهذا التعليق وصله أبو نعيم في المستخرج ، وقال في الثانية يونس ولم يشك . ( وقرأ ابن مسعود ) عبد الله ، فيما وصله عبد الرزاق ( بأربعين آية من الأنفال ) في الركعة الأولى ، ولفظ سعيد بن منصور ، من وجه آخر : فافتتح الأنفال حتى بلغ { ونعم النصير } وهو رأس الأربعين آية ، ( وفي ) الركعة ( الثانية بسورة من المفصل ) من سورة القتال ، أو الفتح ، أو الحجرات ، أو ق ، إلى آخر القرآن . ( وقال قتادة ) مما وصله عبد الرزاق ( فيمن يقرأ سورة واحدة ) ولأبي ذر : بسورة واحدة يفرّقها ( في ركعتين ) وللأصيلي : في الركعتين ، ( أو يردّد ) أي يكرر ( سورة واحدة في ركعتين ) بأن يقرأ في الثانية بعين السورة التي قرأها في الأولى ، فالتكرير أخف من قسم السورة في ركعتين ، قاله ابن المنير . قال في فتح الباري : وسبب